محمد بن جرير الطبري

130

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يعنى بالمؤمنة : من قد عقل الإيمان وصام وصلى ، فإن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين ، وعليه دية الخطأ مسلمة إلى أهله ، إلا أن يصدقوا بها عليه . وقال آخرون : إذا كان مولودا بين أبوين مسلمين فهو مؤمن رقبة مؤمنة وإن كان طفلا . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : رقبة مؤمنة كل رقبة ولدت في الإسلام فهي تجزي . قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب في ذلك ، قول من قال : لا يجزئ في قتل الخطأ من الرقاب رقبة مؤمنة ، عن إلا من قد آمن وهو يعقل الإيمان من الرجال والنساء إذا كان ممن كان أبواه على ملة من الملل سوى الإسلام وولد يتيما وهو كذلك ، ثم لم يسلما ولا واحد منهما حتى أعتق في كفارة الخطأ . وأما من ولد بين أبوين مسلمين فقد أجمع الجميع من أهل العلم أنه وإن لم يبلغ حد الاختيار والتمييز ولم يدرك الحلم فمحكوم له بحكم أهل الإيمان في الموارثة والصلاة عليه إن مات ، وما يجب عليه إن جنى ، ويجب له إن جني عليه ، وفي المناكحة . فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا ، فواجب أن يكون له من الحكم فيما يجزئ فيه من كفاره الخطأ أن أعتق فيها من حكم أهل الإيمان مثل الذي له من حكم الإيمان في سائر المعاني التي ذكرناها وغيرها . ومن أبى ذلك عكس عليه الأمر فيه ، ثم سئل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس ، فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في غيره مثله . وأما الدية المسلمة إلى أهل القتيل فهي المدفوعة إليهم على ما وجب لهم موفرة غير منتقصة حقوق أهلها منها . وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول : هي الموفرة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، قوله : وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ دية الخطأ قال : موفرة . وأما قوله : إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فإنه يعني به : إلا أن يتصدقوا بالدية دية الخطأ على القاتل أو على عاقلته ؛ فأدغمت التاء من قوله : " يتصدقوا " في الصاد فصارتا صادا . وقد ذكر أن ذلك في قراءه أبي : " إلا أن يتصدقوا " . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا بكر بن الشرود : في حرف أبي : إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا . القول في تأويل قوله : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يعني جل ثناؤه بقوله : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ دية الخطأ فإن كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم عدو لكم ، يعني : من عداد قوم أعداء لكم في الدين مشركين ، لم يأمنوكم الحرب على خلافكم على الإسلام ، وهو مؤمن فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يقول : فإذا قتل المسلم خطأ رجلا من عداد المشركين والمقتول مؤمن والقاتل يحسب أنه على كفره ، فعليه تحرير رقبة مؤمنة . واختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : وإن كان المقتول من قوم هم عدو لكم وهو مؤمن ؛ أي بين أظهركم لم يهاجر ، فقتله مؤمن ، فلا دية عليه دية الخطأ وعليه تحرير رقبة مؤمنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن سماك ، عن عكرمة والمغيرة ، عن إبراهيم في قوله : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ قال : هو الرجل يسلم في دار الحرب ، فيقتل . قال : ليس فيه دية دية الخطأ ، وفيه الكفارة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة في قوله : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ قال : يعني : المقتول يكون مؤمنا وقومه كفار ، قال : فليس له دية دية الخطأ ، ولكن تحرير رقبة مؤمنة . حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو غسان ، قال : ثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ قال : يكون الرجل مؤمنا وقومه كفار ، فلا دية له دية الخطأ ، ولكن تحرير رقبة مؤمنة . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ في دار الكفر ، يقول : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وليس له دية دية الخطأ . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولا دية دية الخطأ لأهله من أجل أنهم كفار ، وليس بينهم